الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
249
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم ، فلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثير ، والعرب كانوا يتفرقون رابع أيام منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق إلى موطنه ، قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في منى : فلله عينا من رأى من تفرّق * أشتّ وأنأى من فراق المحصّب غداة غدوا فسالك بطن نخلة * وآخر منهم جازع نجد كبكب وقال كثير : ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهاري رحالنا * ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطي الأباطح والمعنى ليكن ذكركم اللّه ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى ، وهي الأيام المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى ، وأقيموا في منى تلك الأيام فمن دعته حاجاته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه . [ 204 - 206 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 204 إلى 206 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) عطف على جملة فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا [ البقرة : 200 ] إلخ ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لاحظ لهم في الآخرة ، وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا والآخرة ، فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لاحظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها ، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة في الدنيا ، وهم المذكورون في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ البقرة : 207 ] . و ( من ) بمعنى بعض كما في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ]